سامر شقير: المعادلة لم تعد جيوسياسية فقط.. بل مالية وهيكلية بامتياز
يرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن الحدث العسكري، مهما كان صاخبًا، يظل لحظة زمنية محدودة، بينما القرارات المالية المرتبطة به قد تمتد آثارها لسنوات، ويؤكد أن الصاروخ قد يكون خبرًا عاجلًا، لكن إلغاء تغطية التأمين البحري هو قرار مؤسسي يعيد تسعير المخاطر في النظام المالي العالمي.
ويشير شقير، إلى أن القصة الحقيقية لا تبدأ من ساحة المعركة، بل من البحر، حيث تمر التجارة العالمية، ومن هناك تنتقل العدوى إلى أسواق السندات والديون وتكلفة التمويل، فحين يتغير تقييم المخاطر، تتغير معه أسعار الأصول، ويبدأ مسار اقتصادي متكامل لا يتوقف عند حدود الجغرافيا.
من الحرب إلى التمويل.. سلسلة الأثر الاقتصادي
ويضيف سامر شقير، أن انسحاب شركات التأمين من تغطية السفن في مناطق النزاع لا يُعد مجرد إجراء احترازي، بل يمثل بداية سلسلة مترابطة من التأثيرات الاقتصادية، فعند ارتفاع أقساط التأمين البحري، خاصة ما يُعرف بـ"War Risk Premium"، تتجنب بعض السفن المرور في المسارات عالية المخاطر، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن.
ومع ارتفاع تكاليف النقل، ترتفع أسعار السلع الأساسية، ويعود التضخم للواجهة. وهنا، كما يوضح شقير، تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يرفع بدوره تكلفة خدمة الديون على الحكومات والشركات. وبهذا تنتقل الصدمة من البحر إلى ميزانيات الدول.
لماذا التأمين أخطر من الحدث العسكري؟
ويؤكد سامر شقير، أن الفارق الجوهري بين الهجوم العسكري وقرار التأمين يكمن في طبيعة كل منهما، فالهجوم قد يكون صدمة قصيرة الأجل، أما قرار شركات التأمين فهو قرار مؤسسي مبني على تقييم طويل الأمد للمخاطر، ويرتبط كذلك بأسواق إعادة التأمين العالمية.
وإذا اعتبرت شركات التأمين أن المخاطر مستمرة وليست طارئة، فإنها تعيد تسعير المنطقة بالكامل، وليس فقط الشحنة العابرة، وهنا، بحسب وصفه، يتحول الحدث من أزمة عابرة إلى إعادة هيكلة لتكلفة التجارة العالمية.
دروس التاريخ.. عندما يهتز النقل البحري
ويستحضر سامر شقير محطات تاريخية تؤكد هذا الترابط، ففي عام 1973، أدى ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل إلى موجة تضخم عالمي أعقبها ضغط ديون في الثمانينيات، وخلال حرب الناقلات بين 1984 و1988، ارتفعت أقساط التأمين بشكل كبير، ما استدعى تدخلًا دوليًا لحماية الملاحة.
أما في عام 2020، فقد أدى تعطّل الموانئ وسلاسل الإمداد بسبب جائحة كورونا إلى تضخم لاحق بلغ أعلى مستوياته منذ عقود، ويخلص شقير إلى أن أي اضطراب مستمر في النقل البحري ينعكس لاحقًا في أسواق السندات قبل أن يظهر في أسواق الأسهم.
3 سيناريوهات محتملة لأسواق التجارة والمال
ويطرح سامر شقير، ثلاثة سيناريوهات رئيسية إذا استمر اضطراب التأمين البحري، في السيناريو الأول، تقتصر الأزمة على ارتفاع الأقساط، مع استمرار السفن في المرور، ما يؤدي إلى تضخم متوسط وضغط محدود على السندات.
أما السيناريو الثاني، فيتضمن إعادة توجيه المسارات البحرية والالتفاف حول طرق أطول مثل رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الشحن والتكاليف ويخلق ضغطًا تضخميًّا أوسع.
وفي السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، يحدث انسحاب واسع للتغطية التأمينية، ما يؤدي إلى تعطّل جزئي للتجارة، وارتفاع حاد في أسعار الطاقة والغذاء، وعودة قوية للتضخم، وتأجيل خفض أسعار الفائدة، فضلًا عن ضغط مباشر على الدول ذات الديون المرتفعة والعجز المالي الكبير.
الديون العالمية في دائرة الخطر
ويشير سامر شقير إلى أن الدين العالمي يتجاوز 300 تريليون دولار تقريبًا، لكن الفارق عن العقد الماضي أن أسعار الفائدة لم تعد صفرية، وأن إعادة التمويل أصبحت أكثر كلفة، في وقت تعاني فيه اقتصادات عدة من عجز مالي مرتفع.
وإذا عاد التضخم نتيجة اضطراب الشحن البحري، فقد ترتفع عوائد السندات وتتسع فروقات الائتمان، ما يزيد الضغط على الأسواق الناشئة ويجعل تكلفة التمويل محور الأزمة، وهنا، كما يؤكد شقير، تتلاقى الحرب والتأمين والديون في نقطة واحدة: سعر المال.
ماذا يفعل المستثمرون الكبار في أوقات الضغط؟
ويستشهد ساكر شقير بقول المستثمر الأمريكي Warren Buffett إن "الخطر يأتي من الجهل بالمخاطر، لا من التقلبات"، مشيرًا إلى أن الفهم العميق لطبيعة المخاطر أهم من متابعة حركة الأسعار اليومية.
كما يلفت إلى رؤية Ray Dalio التي تؤكد أن مراقبة الديون وتكلفة التمويل هي مفتاح فهم الدورات الاقتصادية، إضافة إلى تحذير Howard Marks من المخاطر غير المرئية التي تتراكم في الخلفية قبل أن تظهر على السطح.
ويؤكد سامر شقير، أن المستثمرين الكبار لا ينتظرون الانهيار، بل يعيدون توزيع المخاطر مبكرًا تحسبًا لتغير البيئة المالية.
كيف يتصرف المستثمر الذكي في هذه المرحلة؟
ويرى سامر شقير، أن السلوك الاحترافي في بيئة كهذه يتطلب تقليل الرافعة المالية، وتعزيز مستويات السيولة، وتنويعًا جغرافيًّا حقيقيًّا، إلى جانب مراقبة أسواق السندات قبل الأسهم، والتركيز على القطاعات القادرة على تمرير التضخم إلى المستهلك النهائي.
ويشدد على أن السندات غالبًا ما تعطي الإشارة الأولى على تغير الدورة، بينما تتأخر الأسهم في الاستجابة، ما يمنح المستثمر اليقظ فرصة للتحرك قبل اتساع التأثير.
هل نحن أمام أزمة ديون عالمية؟
وبحسب سامر شقير، فإن البيئة الحالية حساسة بلا شك، واستمرار اضطراب التأمين قد يعيد التضخم إلى الواجهة، في وقت تتسم فيه مستويات الدين بارتفاع تاريخي، لكنه يلفت في المقابل إلى أن الأنظمة المصرفية اليوم أكثر قوة مما كانت عليه في عام 2008، وأن أدوات السيولة لدى البنوك المركزية متاحة، وأن الاقتصاد العالمي أكثر تنوعًا.
ويؤكد أن الخطر ليس حتميًا، بل مرتبط بمدة الاضطراب واستمراريته، فكلما طال أمد انسحاب التأمين، زادت احتمالات انتقال الأثر إلى هيكل التمويل العالمي.
المعادلة أصبحت مالية وهيكلية
ويختتم رائد الاستثمار سامر شقير تقريره بالتأكيد على أن الحرب قد تهز الأسواق، لكن انسحاب التأمين يعيد صياغة تكلفة التجارة والتمويل، فالتكلفة تنتقل من التضخم إلى الفائدة، ومن الفائدة إلى ضغط الديون، لتتحول الأزمة من جيوسياسية إلى مالية وهيكلية بامتياز.
ويشير إلى أن الفرق بين مَن يخاف ومَن يستثمر بذكاء يكمن في فهم كيفية انتقال الأثر داخل النظام المالي، لأن الأزمة لا تبدأ دائمًا من سوق الأسهم بل أحيانًا تبدأ من البحر.





















