سامر شقير: سرقة النفط أخطر من الحروب.. اقتصاد خفي يبتلع المليارات
لم تعد سرقة النفط في عام 2026 مجرد ظاهرة هامشية أو نشاط إجرامي محدود، بل تحوَّلت إلى اقتصاد ظل عالمي يُعيد تشكيل خريطة الطاقة والتدفقات الاستثمارية بطرق غير مرئية للوهلة الأولى.
نحن أمام منظومة متكاملة تتداخل فيها الجريمة المنظمة مع الثغرات التشغيلية والتواطؤ الداخلي، لتنتج نزيفًا سنويًّا يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يُعادل نسبة مؤثرة من السوق النفطية العالمية، هذه الخسائر لا تنعكس فقط على أرباح الشركات، بل تمتد لتؤثر على استقرار الأسعار، وأمن الإمدادات، وحتى موازين القوى الجيوسياسية.
في الولايات المتحدة، وتحديدًا في حوض بيرميان، الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، لم تعد الخسائر ناتجة عن تقلبات السوق أو قرارات الإنتاج، بل عن عمليات سرقة منظمة تتم من داخل المنظومة نفسها.
النفط يُسحب بطرق احترافية، ويُعاد بيعه في السوق السوداء أو يُهرَّب عبر الحدود، ما أدى إلى نشوء اقتصاد موازٍ داخل أكبر اقتصاد نفطي في العالم، واللافت أن نسبة كبيرة من الشركات تعرضت لهذه العمليات بشكل مباشر، ما يكشف أن المشكلة ليست أمنية فقط، بل هي هيكلية تضرب عمق الصناعة.
المشهد العالمي لا يختلف كثيرًا، بل يزداد حدة في بعض المناطق، ففي نيجيريا، سرقة النفط تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها، تغذي اقتصادًا غير رسمي يمتد عبر شبكات تهريب ومصافٍ غير شرعية.
أما في المكسيك، فقد دخلت كارتيلات المخدرات على خط النفط، لتضيف بعدًا جديدًا للصراع، حيث أصبح الوقود جزءًا من اقتصاد الجريمة المنظمة، هذه النماذج تؤكِّد أن النفط لم يعد مجرد سلعة استراتيجية، بل أصبح مصدرًا رئيسيًّا لتمويل أنشطة غير قانونية عابرة للحدود.
في الخليج العربي، تتباين الصورة بين الفوضى والانضباط، والعراق يواجه تحديات كبيرة مع شبكات تهريب معقدة، تستخدم أساليب متطورة مثل خلط النفط وإعادة تسويقه بطرق ملتوية، ما يخلق خسائر ضخمة ويؤثر على سمعة الصادرات.
في المقابل، تقدم السعودية نموذجًا مختلفًا تمامًا، حيث نجحت في بناء منظومة أمنية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا والرقابة المركزية، ما جعل معدلات السرقة شبه معدومة.
هذا التباين يعكس حقيقة مهمة، المشكلة ليست حتمية، بل مرتبطة بكفاءة الإدارة والحوكمة.
أخطر ما في هذا المشهد هو ما يُعرف بالسرقة الداخلية، عندما يتحول الموظف أو المقاول إلى جزء من شبكة التسريب، تصبح كل الأنظمة الأمنية التقليدية غير كافية، هذه الظاهرة ترفع التكاليف التشغيلية بشكل كبير، وتؤدي إلى تعطيل الإنتاج وسلاسل الإمداد، فضلًا عن المخاطر البيئية الناتجة عن عمليات السحب غير القانونية، إنها ثغرة بشرية قبل أن تكون تقنية، وتتطلب استثمارًا مختلفًا في التدريب والرقابة والتحليل السلوكي.
في المقابل، نشهد ولادة ثورة تكنولوجية حقيقية في مواجهة هذا الاقتصاد الخفي، الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وأنظمة المراقبة الحرارية، كلها أدوات تعيد تعريف مفهوم الأمن النفطي، لم يعد الأمر يقتصر على الحماية، بل تحوَّل إلى منظومة استباقية قادرة على التنبؤ ومنع السرقة قبل وقوعها.
الشركات التي تستثمر في هذه التقنيات لا تقل أهمية اليوم عن شركات النفط نفسها، بل ربما تمثل الجيل القادم من الفرص الاستثمارية.
من زاوية استثمارية، الصورة تحمل وجهين متناقضين، من جهة، هناك مخاطر واضحة تتمثل في تآكل هوامش الربح وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين، خاصة لدى المنتجين الصغار.
ومن جهة أخرى، هناك فرصة ضخمة تنمو في صمت، تتمثل في سوق الأمن النفطي والتكنولوجيا المرتبطة به، والذي يشهد معدلات نمو متسارعة، هذه المفارقة تخلق مساحة جديدة للمستثمرين القادرين على قراءة التحولات العميقة في السوق.
البُعد الجيوسياسي لا يمكن تجاهله أيضًا، سرقة النفط أصبحت عاملًا غير معلن في تسعير الطاقة، تؤثر على تدفقات التجارة والتحالفات الدولية، خاصة في مناطق حساسة مثل الخليج، من هنا، فإن فهم هذه الظاهرة لم يعد ترفًا تحليليًّا، بل ضرورة لأي مستثمر أو صانع قرار يسعى لاستشراف المستقبل.
في تقديري، لن يكون من الممكن القضاء على هذا الاقتصاد بالكامل، لكنه قابل للاحتواء بدرجة كبيرة إذا توافرت ثلاثة عناصر: تعاون دولي حقيقي، استثمار مكثف في التكنولوجيا، وإعادة بناء منظومات الحوكمة الداخلية، الرسالة الأهم للمستثمرين واضحة: الفرصة لم تعد فقط في استخراج النفط، بل في حمايته، المرحلة القادمة ستكافئ مَن يفهم أن أمن الطاقة هو الاستثمار الأكثر ربحية في عالم غير مستقر.


























