الأخبار

ما خطة الإخوان لمرحلة ما بعد الأزمة الخليجية؟

اليقين

فرضت الأزمة التي نشبت في 5 يونيو الماضي بين دول الخليج الثلاثة السعودية والإمارات والبحرين بالاضافة إلى مصر مع قطر، على تنظيم الإخوان المسلمين المصنف في مصر والإمارات العربية المتحدة بقائمة الإرهاب، دراسة الخيارات والبدائل التي تُشكل بديلًا عن الدوحة، في حال أدت الضغوطات الإقليمية والدولية إلى دفعها لاتخاذ قراراً بمغادرتهم أراضيها.

وفقاً لهذا المنظور من الممكن أن يضع التنظيم “خطة استباقية” للتعامل مع سيناريو محتمل قائم على اتخاذ الدوحة قرارًا بمغادرة قياداته وأعضائه للبلاد، بهدف منع وقوع حالة من الفوضى والتخبط في صفوف التنظيم عند اتخاذ مثل هذا القرار، وفي هذا النوع من الخطط يتم العمل وفقاً لنظام المراحل والأولويات، بحيث تتضمن المرحلة الأولى وذات الأولوية القصوى مغادرة القيادات المعروفة، وفي مرحلة ثانية يتم إجلاء الأشخاص المدرجة اسمائهم في كشوفات الإرهاب التي أعلنتها الدول الثلاثة ومصر.

إلى أين يمكن أن تغادر قيادات الإخوان؟

مع الضغط المتزايد على قطر، وفي حال تخلت عن الجماعة، فإن لقيادات الإخوان المسلمين والشخصيات الممولة للإرهاب وفقًا لاتهام الدول المقاطعة لقطر وتصنيفها لهم، أربع دول للاتجاه إليه، هي تركيا وتونس وإيران والسعودية، بالرغم أن الأخيرة أيضًا تعد مشتركة في الضغط على قطر بالتخلي عن جماعة الإخوان المسلمين، ومصنفة بعض قياداتها بالجماعات الإرهابية، إلا أن الرياض لا يمكن أن تتخلى عنهم بالمعنى المطلق، لكون الشعب السعودي يعتبر حاضنة مهمة لفكر الجماعة.

لكن اتجاه تلك الجماعات يحدده "الحواضن" الشعبية له وهناك  ثلاثة محددات، وهي مدى استعداد الحواضن على استقبال قيادات وكوادر التنظيم في ظل وصمهم ومؤسساتهم بالإرهاب، والثاني؛ مساحة الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية للتنظيم في الحواضن الجديدة، ودون أي ملاحقات أمنية، والثالث؛ مدى قوة العلاقة بين الحواضن الجديدة (الدول)، مع دول التي تصنف التنظيم كإرهابي، وتحديداً دول الخليج الثلاثة ومصر.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن الشبكة الضخمة من مراكز الأبحاث والفكر والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات الخيرية والدعوية والمرخصة قانونياً في جميع إنحاء العالم، التي أنشأها تنظيم الإخوان المسلمين ليستخدمها كغطاء للتحرك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي والعمل التنظيمي.

تلك المراكز تتركز في جميع دول أوروبا وتحديداً بريطانيا، فرنسا، كذلك في الولايات المتحدة، باكستان، ماليزيا، جنوب أفريقيا، هذه الدول يمكن أن تستقبل كوادر التنظيم بصفاتهم الشخصية (أفراداً) وليس (تنظيماً)، ولن تسمح بأن تكون مقراً يدير من خلاله التنظيم نشاطاته المختلفة، لسببين الأول الحفاظ على علاقتها بدول الخليج الثلاثة ومصر، والثاني تأمين جبهتها الداخلية.  

ولأن الجماعة تدرك جيدًا أن عملها السياسي لن يكون مرحبًا به في تلك المناطق أو الدول التي تدير مؤسساتها الإعلامية والبحثية والخيرية والدعوية، بسبب الضغط الخليجي المحتمل، فإن هناك دولًا لها علاقات وطيدة مع الإخوان المسلمين بعلاقات، وكذلك مع الأحزاب الإسلامية المحسوبة على الإخوان المسلمين وتلعب دوراً مؤثراً على حكوماتها، مثل تركيا، تونس، وإيران، وربما السعودية لتوفير البيئة المناسبة لهم للعمل بحرية وفقًا لظروف المرحلة.

 

تركيا

منذ صعود حزب العدالة والتنمية أحد أفرع الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002، والعلاقة بين الطرفين في حالة تطور ونمو، وتوطدت العلاقة بعد اندلاع أحداث الربيع العربي عام 2010، إذ دعمت انقرة فروع تنظيمات الإخوان في الدول المختلفة في إطار نظرية العثمانية الجديدة القائمة على استعادة النفوذ في المناطق التي كانت خاضعة للدولة العثمانية.

وبعد إسقاط حكم الإخوان في مصر شكلت حاضنة رئيسية للإخوان الفارين من القاهرة، ومركزاً رئيسياً لإدارة نشاطات التنظيم على كافة المستويات، وهذا يقدم تفسير لسياسة التنظيم الداعمة لتركيا على المستوى السياسي والديني، وانطلاقاً من التقاء المصالح المشتركة بينهما؛ رغبة التنظيم في وجود الحاضنة الآمنة، ورغبة تركيا في تنفيذ سياستها في المنطقة، فإن تركيا تعتبر الحاضنة الأكثر ترجيحاً لاستضافة أعضاء التنظيم في حالة مغادرتهم قطر، وهو ما يثبت توجه غالبية الإخوان المسلمين (فرع اليمن) وأذرعهم الإعلامية إليها.

تونس

يوجد تشابه نسبي بين تجربة الإخوان في كل من مصر وتونس، من حيث الوصول لسدة الحكم أثراً لثورات الربيع العربي، مع الاختلاف في كيفية سير التجربة ونجاحها، إذ شكل إخوان مصر نموذج فاشل في إدارة الدولة ومؤسساتها وصولاً إلى اسقاطهم، في المقابل شكل إخوان تونس نموذج ناجح نسبياً في إدرة توازنات الحكم، والتمتع بالمرونة، ودرجة من التكيف مع البيئة المحلية ما حال دون اسقاطهم.

ولكن مازال إخوان تونس ممثلين بحركة النهضة يتمتعون بموقع مهم في الحياة السياسية التونسية، إضافة إلى أن حركة النهضة أعلنت دعمها لقطر منذ بداية الأزمة، كما أن حزب “حراك تونس الإرادة” الذي أعلن وقوفه إلى جانب قطر على اعتبار أنها ساهمت في وصول “منصف المرزوقي” للسلطة، وفقاً لهذا المنظور تعتبر تونس أحد الحواضن المحتملة لاستضافة أعضاء الإخوان في حال مغادرتهم قطر.

إيران

توجد علاقات وطيدة بين تنظيم الإخوان المسلمين وإيران منذ خمسينات القرن الماضي، عندما قام “مجتبى نواب صفوي” بزيارة القاهرة والالتقاء بقادة الإخوان، وفي عام 1947 التقى البنا مع الشيعة الإمامية الاثنا عشرية من خلال محمد تقي، ويقوم مفهوم البنا ومن بعده جماعة الإخوان المسلمين للعلاقة مع الشيعة على أساس إمكانية التوافق والتقريب، وأن هناك مجالاً دائماً للتعاون فيما اتفق عليه، واعتبر “علي أكبر ولايتي”، وزير الخارجية الإيراني الأسبق والمستشار الأعلى لمرشد النظام الإيراني علي خامنئي، أن الإخوان المسلمين هم الأقرب إلى طهران بين كافة المجموعات الإسلامية، ودعمت إيران ثورات الربيع العربي وصعود الإخوان المسلمين لسدة الحكم، وزار “مرسي” طهرن لحضور قمة منظمة دول عدم الانحياز بعد قطيعة استمرت عقود، وهو ما تم تفسيره على أنه تطبيع سياسي واقتصادي بين البلدين، وهذا ما يفسر عدم انتقاد التنظيم لسياسات إيران التدخلية في شئون المنطقة، وانطلاقاً من أن كلاهما بحاجة إلى الآخر، قد تعتبر إيران حاضنة جديدة للتنظيم، فالإخوان في حاجة إلى أن تحتضنهم دولة ولا تصنفهم كجماعة إرهابية، وإيران تحتاج للتنظيم لنفي الاتهامات الطائفية وتحسين صورتها.

السعودية

ربما تكون المملكة العربية السعودية أحد أهم حواضن الإخوان المسلمين وقياداتهم، فهي الان تستضيف قيادات الإخوان المسلمين في اليمن إضافة إلى قيادات مصرية غير معلنة، بالرغم أن المملكة العربية السعودية تتقارب مع جمهورية مصر العربية حول خطورة جماعة الإخوان المسلمين في البلدين.

لكن الرياض غير جدية في ذلك والدليل أنها تستضيف كبار قيادة إخوان اليمن، وتعمل على تمويلهم بالمال والعتاد العسكري في مناطق عدة باليمن لمحاربة الحوثيين التي تعتبرهم أن شيعة مدعومين من إيران، وإن كانت وضعتهم تحت قائمة الإرهاب.

السعودية قد تختلف مع مصر والإمارات العربية المتحدة خلال الفترة الماضية بسبب هذا التصنيف، لأنها ترى أن جماعة الإخوان المسلمين أقرب الناس إليها ولابد أن تحتضنهم كفكر متقارب للفكر الوهابي، لأن مسألة محاربتهم كما ترى السعودية سيكون من الخطأ، وهذا ربما يجعل الإخوان قوى أخرى مضادة للسعودية على غرار حزب الله اللبناني والحوثيين في صنعاء والحشد الشعبي في العراق، لذا قد تعمل المملكة العربية السعودية خلال الفترة القادمة على احتضان الجماعة، لاسيما وأن الشعب السعودي بطبعه حاضنة إخوانية، لكن ذلك سيكون تهديدًا لأمنها القومي.

الأخبار