من الطين إلى التريليون.. كيف حوَّل ”يوم التأسيس” مسار الثروة في السعودية؟
في عام 1727، لم تكُن الدرعية تملك ناطحات سحاب تلامس السحاب، ولم تكُن الأسواق المالية الدولية تضعها على راداراتها، ولم يكُن ثمة صندوق سيادي يُدير مئات المليارات، كان هناك شيء واحد فقط، وهو في عُرف المنظرين الاقتصاديين "أثمن الأصول" على الإطلاق، الإرادة السياسية لبناء دولة.
اليوم، وبعد ثلاثة قرون من تلك اللحظة المفصلية، تتبوأ المملكة العربية السعودية مكانتها ضمن أقوى 20 اقتصادًا في العالم، بناتج محلي إجمالي يتجاوز 1.1 تريليون دولار، وسوق أسهم (تاسي) تتخطى قيمته السوقية 3 تريليونات ريال.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المستثمر الذكي ليس "كيف وصلنا إلى هنا؟"، بل "ما هي القيمة المضافة التي خلقتها هذه الرحلة التاريخية للمستقبل؟".
الاستقرار كـ"أصل استثماري"
عندما وضع الإمام محمد بن سعود لبنة الدولة السعودية الأولى، لم يكُن يؤسس كيانًا سياسيًّا فحسب، بل كان يضع حجر الأساس لأهم عناصر خلق الثروة، ديمومة الاستقرار وقابلية التنبؤ (Predictability).
في الأدبيات الاقتصادية الحديثة، يُعد الاستقرار "علاوة مخُاطرة" إيجابية؛ حيث تشير نماذج الاقتصاد القياسي إلى أن البيئات المستقرة تجذب رؤوس الأموال بنسبة تفوق المناطق المضطربة بنحو 300%، وهنا تتجلى مقولة المستثمر الأسطوري وارن بافيت: "الثروة تنتقل من غير الصبور إلى الصبور"؛ فقد بنيت الدولة السعودية بصبر استراتيجي، محولةً الجغرافيا إلى بيئة آمنة لنمو رأس المال وتراكم الثروات.
تحولات الثروة.. من التدفق النقدي إلى البنية التحتية
شكَّل عام 1938 منعطفًا اقتصاديًّا جذريًّا باكتشاف النفط في بئر الدمام، وبمنظور مالي، كان هذا الاكتشاف بمثابة "استحواذ على أصل يولِّد تدفقات نقدية (Cash Flow) ضخمة وطويلة الأجل".
الأثر: ارتفع الناتج المحلي بنسبة تجاوزت 800% خلال ثلاثة عقود.
النتيجة: تأسيس "أرامكو السعودية"، التي أصبحت لاحقًا الشركة الأكثر ربحية في تاريخ البشرية.
لكن العبقرية الاقتصادية لم تتوقف عند استخراج المورد الطبيعي، بل انتقلت في السبعينيات إلى ما يُعرف بـ(Capital Conversion Phase) أو مرحلة تحويل رأس المال؛ حيث ضخت الدولة عوائد النفط في بناء المطارات، والجامعات، والمدن الصناعية (الجبيل وينبع)، محولةً "السيولة العابرة" إلى "أصول ثابتة" تدعم النمو المستدام.
رؤية 2030.. إعادة هيكلة "المحرك الوطني"
في عام 2016، ومع إطلاق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان "رؤية 2030"، لم نكُن أمام خطة تقشف أو إصلاح مالي تقليدي، بل كنا أمام "إعادة هندسة شاملة لنظام خلق الثروة".
لقد نجحت الرؤية في نقل الاقتصاد السعودي من "الارتهان للنفط" إلى "تعدُّد المحركات"؛ فاليوم ينمو القطاع غير النفطي بنسبة تقارب 4.8% سنويًّا، وقفزت أصول صندوق الاستثمارات العامة من 150 مليار دولار إلى نحو 900 مليار دولار، ليصبح المحرك الأهم للاستثمارات النوعية عالميًّا.
وكما يشير "راي داليو"، مؤسس أكبر صندوق تحوط في العالم: "الدول التي تمتلك الجرأة على التحول في أوقات التغيير، هي التي تخلق أعظم موجات الثروة".
نحو المستقبل.. السعودية كأصل عالمي
بين عامي 2019 و2026، انتقلت المملكة من السوق المحلية إلى المحفظة العالمية بامتياز.
الانضمام إلى مؤشرات عالمية مثل (MSCI) و(FTSE Russell) لم يكُن مجرد إجراء فني، بل كان بمثابة "شهادة ثقة" دولية نتج عنها تدفقات أجنبية تجاوزت 70 مليار دولار.
نحن اليوم لا نتحدَّث عن مشاريع عقارية في "نيوم" أو "البحر الأحمر" أو "القدية"، بل نتحدث عن "أصول نقدية مستقبلية" (Future Cash Flow Assets) في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والسياحة العالمية، والطاقة المتجددة.
خاتمة.. الدرس المستفاد من يوم التأسيسس
يقول بيتر ثيل، مؤسس PayPal: "أفضل الاستثمارات هي التي يكون فيها المستقبل واضحًا.. لكنه لم يُسعَّر بعد".
إن قصة السعودية من يوم التأسيس حتى اليوم هي قصة "وضوح الرؤية"، المملكة لا تبني اقتصادًا ينمو فحسب، بل تُعيد صياغة مفهوم الاقتصاد في المنطقة والعالم.
ومن هنا، يظل يوم التأسيس تذكيرًا بأنَّ الثروات العظيمة لا تُصنع بالصدفة، بل تُبنى بقرار شجاع، واستقرار ممتد، ورؤية لا تعرف المستحيل.





















