بروفايل

جيفارا.. أسطورة في ذاكرة العالم

المناضل تشي جيفارا
المناضل تشي جيفارا

مرت خمسة عقود على خيانتهم له، لكنهم اليوم يكرمونه ويعتبرونه قديسا وبلغت شهرته أنحاء العالم حتى أنه أصبح علامة تجارية يقبل عليها الشباب، وحتى أولئك الذين لا يعرفون من هو إرنستو رافائيل جيفارا دي لا سيرنا.

ووفقا للتقرير الذي نشرته صحيفة " العرب" اللندنية الاثنين 16 أكتوبر 2017، يرافق غونزالو فلوريس جوثمان مجموعة من السائحين لزيارة أشهر مغسلة في العالم. يقول جوثمان، “وضعوا الجثمان هنا لكي يراه الجميع وليعلم الناس جميعا أن تشي لم يعد من أهل الدنيا”، يوضح جوثمان، مضيفا “كانت عيناه لا تزالان مفتوحتين، وهكذا بدا بالنسبة إلى الكثيرين على هيئة قديس، وعمدوه باسم سان إرنستو”.

في التاسع من أكتوبر عام 1967، شهدت بلدة لا هوغيرا وتعني “المحرقة” إعدام تشي رميا بالرصاص على يد العسكري البوليفي ماريو تيران، الذي لا يزال على قيد الحياة إلى الآن.

في مثل هذا اليوم من كل عام توضع على الطاولة التي سجي الجثمان عليها والتقطت آخر صورة له قبل أن يوارى الثرى، زهور بيضاء، فيما تكتب على الجدران شعارات مثل “شعوب العالم لا تزال تعتبرك مثالا وقدوة”.

لم يمكث جثمان المناضل الأممي، الذي فشلت مغامرته البوليفية وقضت على حياته، سوى يومين، كانا أكثر من مدة كافية للتأثير في عقول وقلوب أكثر من ستة آلاف شخص، من سكان بلدة باييغراندي. وبمناسبة الذكرى الخمسين على مصرع تشي كان من المتوقع تزايد عدد الزائرين للبلدة، والذين يقدر عددهم بنحو 35 ألفا سنويا.

يشرح جوثمان للسياح من داخل المغسلة الشهيرة “هنا بتروا ساعديه لإرسالهما إلى العاصمة لاباز، من أجل التأكد من أن الجثمان يعود بالفعل إلى غيفارا”، موضحا أنهم بعد ذلك حملوا الجثمان سرا خشية تحول المكان إلى بقعة يحج إليها الناس من كل فج عميق.

بعد ذلك دفن جثمان تشي مع جثامين بعض رفاقه بالقرب من مهبط طائرات محلي، واستغرق الأمر ثلاثين عاما للعثور على رفاته، ومن ثم أقيم هناك نصب تذكاري، يعتبر المرحلة التالية في جولة المرشد البوليفي جوثمان، الذي يوضح أن رفات غيفارا نقل إلى ضريحه الشهير ببلدة سانتا كلارا الكوبية عام 1997.

وينحدر غيفارا، الرمز الخالد لنقاء النضال الثوري في القرن العشرين، من أسرة ميسورة الحال. ولد في الرابع عشر من يونيو 1928، بمدينة روساريو، الأرجنتينية، ولهذا يطلق عليه تشي، وتعني الرفيق في عامية هذه البلدة.

درس الطب، ولكن حياته تغيرت عقب الرحلة التي قام بها على دراجة نارية عبر عدة دول من أميركا الجنوبية عام 1952، حيث أدرك حجم الفقر والمعاناة والاستغلال والمرض الذي طال شعوبا بسبب الاستعمار، كانت في يوم من الأيام تمثل حضارة فاقت تقدم أوروبا بمراحل.

مناضل من طينة خاصة

“الطواف بالقارة غيرني أكثر بكثير مما كنت أتصور”، علق إرنستو تشي غيفارا على ذكرياته حول تلك الرحلة. وكان من أشد المعجبين بجوزيف ستالين بسبب إعلانه الحرب على الرأسمالية.

التقى بفيدل كاسترو في المكسيك عام 1955، حينما كان الزعيم الكوبي يستعد للكفاح المسلح لتحرير بلاده من دكتاتورية فولخنسيو باتيستا. وشاركا معا في معركة لمنع إنزال قوات على الجزيرة سنة 1956، وقاتلا جنبا إلى جنب في جبال سييرا مايسترا، وتعلما من أخطائهما ووسعا مجال نضالهما المسلح، ونجحا في إسقاط الدكتاتورية ودخول هافانا عام 1959.

تقلد غيفارا منصب محافظ البنك المركزي في كوبا، وكان يوقع على الأوراق المالية باسم تشي. ولا تزال هذه العملات الورقية تباع إلى اليوم في كوبا كنوع من التذكارات. شيئا فشيئا تحولت حكومة كاسترو إلى نظام دكتاتوري، يعتقل الناس وينفذ أحكام الإعدام.

عام 1961 تولى تشي منصب وزير الصناعة، ولكن الاقتصاد الكوبي بدأ يعاني آثار الحصار الأميركي وسقط في دوامة الأزمة، بحسب وصف المحلل السياسي المكسيكي خورخي كستانييدا في سيرته الذاتية عن تشي بعنوان “الحياة باللون الأحمر”، “كان المناضل الأرجنتيني يسعى إلى ثورة أكثر راديكالية، مما تسبب في تفجر صدام حاد بينه وبين كاسترو”.

في الثالث من نوفمبر عام 1966، شرع غيفارا في رحلة، متخفيا في هيئة مختلفة تماما عن صورته المعروفة حتى الآن، كانت وجهته بوليفيا. وتولت الألمانية تمارا بونكي، رفيقة نضاله، مسألة الدعم اللوجيستي، ونجحا معا في كسب تعاطف القليل من عمال المناجم البوليفيين، الذين انضموا إلى القتال تحت قيادته جنبا إلى جنب مع بعض الكوبيين في الأحراش جنوبي البلد اللاتيني.

يقول خورخي كستانييدا، إنهم لم يكونوا على دراية بتضاريس المنطقة، كما لم تكن لديهم خرائط لها. فضلا عن أن الفلاحين الذين جاء غيفارا للدفاع عن حقوقهم، كانوا هم من وشوا به.

في النهاية أحكمت فرقة برادو الحصار في الثامن من أكتوبر عام 1967 حول مجموعة المقاتلين المنهكين الضائعين ونجحوا في الإيقاع بتشي مصابا مريضا مع رفيق بوليفي.

أعدم المناضل الثوري في اليوم التالي بإحدى مدارس قرية لا هوغيرا، بناء على قرار من الرئيس البوليفي رينيه بارينتوس، رغبة منه في تفادي حضور جحافل الصحافة ووسائل الإعلام الأجنبية، فضلا عن إشكالية توفير مكان لمحاكمة تشي واعتقاله في حالة الإدانة المفترضة.

حمل الجثمان بعد ذلك على متن مروحية إلى بلدة باييغراندي، حيث عرض في المغسلة، ولكن على عكس كل التوقعات تسببت صورته التي أظهرته في هيئة “شهيد” في هزة قوية لمشاعر الناس في جميع أنحاء العالم، وبدلا من الإسهام في تأكيد القضاء عليه، حولته إلى أسطورة لا تموت.

وتحكي الراهبة الألمانية أنطونيا ماريا فرويد التي كانت تعمل آنذاك بالمستشفى المحلي “أن بلدة باييغراندي لم تشهد من قبل حشودا بهذه الضخامة. كان الناس يتدافعون بقوة لإلقاء نظرة على الجثمان المسجى، إلى درجة أن أحد جدران المغسلة الحجرية انهار من قوة التدافع”.

برغم سنوات عمرها التي تجاوزت العقد الثامن، لا تزال الراهبة الألمانية غير مقتنعة بجدوى قتال المناضلين في هذه البقعة من العالم، خاصة بعد الثورة التي عاشتها البلاد عام 1952 وحركة الإصلاح الزراعي التي نتجت عنها.

وتضيف أن بارينتوس كان رئيسا يحظى بشعبية كبيرة على الأرض، وكان يتحدث الكيتشوا، مؤكدة “لم تكن بوليفيا أرضا خصبة لتكرار تجربة كوبا”. كانت أنطونيا تمارس عملها في قسم الولادة يوم وصول جثمان تشي إلى باييغراندي.

إلا أنها حرصت في اليوم التالي على الاستيقاظ مبكرا لكي تذهب لرؤيته في المغسلة، وذهلت من هيئته المتصلبة، وشعره الشعث ولحيته الكثة وعينيه المحملقتين في الفراغ، وصدره العاري. تقول الراهبة الألمانية، “كان يبدو كيسوع”.

وبالنسبة إلى البعض كان قاتلا يبرر جرائمه بالأيديولوجيا التي يعتنقها، وبالنسبة إلى آخرين لا يزال نموذجا صالحا للنضال من أجل عالم أكثر عدلا في مواجهة القهر والإقصاء والرأسمالية المتوحشة التي لا يردعها رادع. ويرى كاتب سيرته الذاتية المكسيكي كاستانييداس أن شعبيته وشهرته لم تمس، على العكس فقد تزايدت، كما يرى أنه كان سببا لثورة ثقافية في العالم الغربي.

“من بعد تشي لم يعد العالم كما كان”، يؤكد كاستانييداس أن حركة الشباب عام 1968، التي انطلقت بعد أشهر من إعدامه، استلهمت روح غيفارا لتتغير بعدها العلاقات بين الرجل والمرأة، بين الطلاب والأساتذة، وبين السود والبيض، بين الأغنياء والفقراء.

ويعتبر تشي أيقونة تجسد حقبة سيتينات القرن الماضي بصورة لا ينازعه فيها أحد “ربما لم يكن تشي ليعترف بتلك القيم مثلما دافع عن المثل التي مات من أجلها. ولكن حتى القائد المناضل لم يكن تتسنى له معرفة العبارة التي ستكتب على شاهد قبره”. ويلخص كاستانييداس القول “ينتمي تشي إلى قلة من العالم نذروا أنفسهم ليعشوا الحياة التي حلموا بها والموت كما يتمنون”.

ويقول شقيق تشي خوان مارتن غيفارا البالغ 74 عاما عن شهرة المناضل الأممي “الأساطير موجودة والمجتمعات تحبكها. أشهر صورتين في العالم هما صورة المسيح وتشي. قال لي صديق: أنت تبالغ المسيح أشهر بطبيعة الحال لقد مات قبل ألفي عام وتشي قبل خمسين عاما، لن نكون هنا لنشهد على ذلك لكن تشي سيبقى هو بعد 300 سنة، وآمل في أن يكون هناك آخرون مثل تشي”.

قميص تشي

تبقى الصورة الفوتوغرافية لإرنستو نشي جيفارا والتي التقطها المصور الكوبي ألبيرتو كوردا في مطلع ستينات القرن الماضي هي الأكثر انتشارا في تاريخ التصوير الفوتوغرافي رغم مرور 50 عاما على التقاطها.

وازدادت شهرتها بعد أن طبعت على القمصان ليرتديها الشباب الذين لا يعرف أغلبهم عن المناضل شيئا، وفي الوطن العربي وصلت شهرة تشي إلى درجة أن أصبح البعض يطلق هذا الاسم على ابنه.

وبلغت شهرة تشي في العالم الغربي حتى أصبح السياسيون يرتدون قمصانا تحمل صورة المناضل اللاتيني للتعبير عن ثوريتهم وجرأتهم السياسية، فالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ارتدى تي شيرت عليه صورة غيفارا.

ولم تستغرب أليد غيفارا مارتش ابنة تشي غيفارا البالغة من العمر 46 عاما، من الثياب التي تظهر عليها صورة تشي، من قمصان التي شيرت، في مختلف أنحاء العالم لأنها تمجد والدها، كما تقول، لكنها تستغرب من ظهور صوره في قطع الملابس الداخلية للنساء وتحديدا على البيكني.

ونقابل في شوارع المدن العربية شبابا وشابات يرتدون صورة غيفارا، وربما لا يعرفون ما يرتدون او يخلطون بين صاحب الصورة ونجوم البوب والسينما. يعلق على ذلك الكاتب الأردني قاسم توفيق “فعلا أصبح نوعا من التقليد”، لكنه يضيف أن ذلك ليس سببه عدم ثقافة الأجيال الجديدة وإنما هناك سبب موضوعي مرتبط بتغير متطلبات العصر.

لكن الصحافي المصري خالد يوسف يرى أنه إلى جانب الشباب الذين يرتدون الصورة ولا يعرفون صاحبها “هناك من يعرفونه ويضعون صوره ويتذكرون به حقبة تاريخية تنسب إلى الزمن الجميل”.

ورغم السنوات وتغير الأوضاع في العالم، ما زال الناس في كافة أرجاء الأرض يذكرون تشي وصورته الشهيرة باللحية والشعر الطويل وغطاء الرأس ذي النجمة الخماسية.

بروفايل