سامر شقير: صدارة المغرب لإنتاج السيارات تؤكد أن الاستثمار طويل الأجل يصنع الفارق
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن الإنفوغرافيك الذي انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والذي أظهر المغرب في صدارة منتجي السيارات في أفريقيا خلال عام 2025، لم يكن مجرد عرض لأرقام إنتاج، بل عكس تحولاً اقتصادياً وصناعياً عميقاً يعيد رسم خريطة الصناعة في القارة الأفريقية ويؤكد أن الرؤية طويلة المدى قادرة على تغيير موازين المنافسة العالمية.
وأوضح شقير أن الصورة المصاحبة للإنفوغرافيك، والتي أظهرت عاملاً متخصصاً داخل أحد مصانع السيارات الحديثة في شمال المغرب مرتدياً الزي الأزرق الرسمي وهو يتابع عمليات الجودة والإنتاج عبر جهاز إلكتروني، جسدت واقعاً صناعياً متقدماً أكثر من كونها مشهداً رمزياً، إذ عكست حجم التطور الذي وصلت إليه الصناعة المغربية خلال السنوات الأخيرة.
أرقام الإنتاج أنهت سنوات الهيمنة التقليدية
وأشار سامر شقير إلى أن البيانات الواردة في الإنفوغرافيك حملت دلالة واضحة، بعدما سجل المغرب إنتاج 493 ألف سيارة خلال عام 2025، متقدماً بفارق كبير على جنوب أفريقيا التي أنتجت 329.6 ألف سيارة، فيما جاءت مصر في المركز الثالث بإنتاج بلغ 65.2 ألف سيارة.
وأضاف شقير أن هذه الأرقام أجابت بصورة مباشرة عن السؤال الذي طرحه الإنفوغرافيك حول أكبر منتجي السيارات في أفريقيا، مؤكداً أنها مثلت نهاية مرحلة طويلة احتفظت خلالها جنوب أفريقيا بصدارة القطاع، وبداية فصل جديد من التحول الصناعي داخل القارة.
المغرب لم يكتفِ باللحاق... بل تجاوز المنافسين
وأكد سامر شقير أن جنوب أفريقيا احتفظت لعقود طويلة بموقعها كأكبر منتج للسيارات في أفريقيا، مستفيدة من قاعدة صناعية متقدمة وشبكة واسعة من موردي المكونات واستثمارات الشركات العالمية التي استقرت هناك منذ سنوات طويلة.
لكنه أوضح أن معطيات عام 2025 أظهرت تغيراً واضحاً في موازين القوى، حيث لم ينجح المغرب فقط في تقليص الفجوة، وإنما تمكن من تجاوز جنوب أفريقيا بفارق كبير، وهو ما اعتبره نتيجة طبيعية لاستراتيجية استثمارية امتدت لسنوات ولم تعتمد على حلول قصيرة الأجل.
الموقع الجغرافي والبنية اللوجستية كانا مفتاح النجاح
وقال سامر شقير إن أحد أبرز عوامل هذا الإنجاز تمثل في الموقع الجغرافي الاستثنائي للمغرب، الذي يبعد ساعات قليلة فقط عن أوروبا عبر مضيق جبل طارق، إضافة إلى الدور المحوري الذي لعبه ميناء طنجة المتوسط باعتباره أحد أكبر موانئ البحر المتوسط.
وأوضح شقير أن هذه المزايا اللوجستية، إلى جانب اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، جعلت المغرب من أبرز الوجهات التي اعتمدت عليها الشركات الأوروبية في استراتيجية التصنيع القريب (Nearshoring) بعد الاضطرابات التي شهدتها سلاسل التوريد العالمية.
منظومة صناعية متكاملة صنعت الفارق
وأشار سامر شقير إلى أن البيئة الصناعية التي يعمل فيها العامل الظاهر في الصورة لم تكن موجودة قبل عقدين، موضحاً أن مصانع رينو في طنجة، التي تُعد أكبر مصنع سيارات في أفريقيا، إلى جانب مصانع ستيلانتيس في القنيطرة التي تنتج علامات بيجو وسيتروين وفيات، لم تقتصر على عمليات التجميع، وإنما تطورت إلى منظومات صناعية متكاملة تضم تصنيع المحركات والمكونات محلياً، مع ارتفاع مستمر في نسب الاندماج المحلي.
وأضاف شقير أن الحكومة المغربية دعمت هذا التحول من خلال تقديم حوافز ضريبية، وإنشاء مناطق صناعية حرة، والاستثمار في البنية التحتية اللوجستية والطاقية، فضلاً عن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة التي أصبحت عاملاً مهماً في جذب الشركات العالمية الباحثة عن سلاسل توريد أكثر استدامة.
وأكد أن هذه السياسات ساهمت في جذب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة، ووفرت عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، حتى أصبح قطاع السيارات أحد أهم ركائز الاقتصاد المغربي.
الإنسان كان محور التحول الصناعي
وأوضح سامر شقير أن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، إذ إن العامل المغربي الذي ظهر في الإنفوغرافيك يمثل آلاف الكفاءات التي انتقلت من قطاعات تقليدية إلى صناعة متقدمة تعتمد على المهارات الفنية والتكنولوجية.
وأشار شقير إلى أن برامج التدريب المستمرة التي وفرتها الشركات العالمية ساهمت في نقل المعرفة والخبرات إلى الاقتصاد المحلي، الأمر الذي انعكس على جودة الكوادر الوطنية.
وأضاف أن الوظائف في قطاع السيارات اتسمت بدرجة أعلى من الاستقرار ووفرت أجوراً تفوق المتوسط الوطني، كما ساهمت في تكوين طبقة وسطى صناعية جديدة، بالتوازي مع نمو شبكة الموردين المحليين من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت جزءاً من سلاسل القيمة العالمية.
صادرات قوية ودور جديد لأفريقيا في الاقتصاد العالمي
وقال سامر شقير إن الإنفوغرافيك لم يعكس فقط حجم الإنتاج، بل أظهر أيضاً تحولاً مهماً في ميزان التجارة والاستثمار، بعدما أصبح قطاع السيارات أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي للمغرب من خلال صادرات تتجه بصورة رئيسية إلى الأسواق الأوروبية.
وأضاف شقير أن هذا النموذج أعاد تقديم أفريقيا بوصفها شريكاً في التصنيع المتقدم وليس مجرد مصدر للمواد الخام، كما وفر للمستثمرين الدوليين نموذجاً جاذباً لتنويع استثماراتهم بعيداً عن التركيز التقليدي على آسيا.
وأشار إلى أن التجربة المغربية طرحت في الوقت نفسه تساؤلات مهمة أمام صناع القرار في أفريقيا حول كيفية تكرار هذا النموذج أو تكييفه مع الظروف الاقتصادية المختلفة داخل القارة.
مصر وجنوب أفريقيا أمام تحديات وفرص جديدة
وأوضح سامر شقير أن الأرقام كشفت وجود فجوة واضحة بين المغرب وبقية المنتجين، مشيراً إلى أن مصر، رغم تحركاتها الأخيرة لاستقطاب استثمارات صينية وأوروبية وتطوير المناطق الصناعية، لا تزال في مرحلة مبكرة نسبياً من حيث حجم الإنتاج ومستوى التكامل الصناعي.
وأضاف شقير أن جنوب أفريقيا تواجه في المقابل تحديات هيكلية ترتبط بتكاليف الطاقة والعمالة، في الوقت الذي تعمل فيه على تنفيذ خطط وطنية للحفاظ على مكانتها في الصناعة.
وأكد أن المنافسة داخل القارة ليست منافسة صفرية، بل يمكن أن تؤدي إلى رفع مستوى الأداء لدى جميع الدول، خاصة مع التطبيق التدريجي لاتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، التي قد توسع التجارة البينية في قطاع السيارات مستقبلاً.
السيارات الكهربائية تمثل المرحلة المقبلة
وأشار سامر شقير إلى أن التفوق الحالي لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة، موضحاً أن المغرب يعمل بالفعل على التوسع في صناعة السيارات الكهربائية والهجينة، مع خطط لإنشاء مراكز للبحث والتطوير واستقطاب استثمارات في البطاريات والمكونات الخضراء.
وأضاف شقير أن اعتماد المملكة على الطاقة المتجددة وما تمتلكه من موارد معدنية يمنحها ميزة تنافسية مهمة، ويجعلها شريكاً استراتيجياً لأوروبا التي تسعى إلى بناء سلاسل توريد أقرب وأكثر استدامة.
تجربة المغرب تحمل دروساً للاقتصادات العربية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن تجربة المغرب تقدم نموذجاً عملياً يمكن للاقتصادات العربية الاستفادة منه، خاصة في ظل سعي العديد من الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية عبر رؤية 2030، إلى بناء صناعات متقدمة وجذب استثمارات أجنبية نوعية.
وقال شقير إن التجربة المغربية أثبتت أن النجاح لم يعتمد على الموارد الطبيعية فقط، وإنما جاء نتيجة رؤية استراتيجية طويلة الأجل، وبنية تحتية حديثة، وسياسات استثمارية مستقرة، وقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية بدلاً من الاكتفاء بعمليات التجميع.
وأضاف أن المشهد الذي قدمه الإنفوغرافيك، والمتمثل في عامل يؤدي عمله داخل مصنع حديث إلى جانب أرقام تعكس تفوقاً واضحاً، أكد أن الدول التي تستثمر بذكاء في التصنيع المتقدم، وتستفيد من موقعها الجغرافي، وتبني شراكات استراتيجية، تستطيع خلال سنوات قليلة إعادة تموضعها في الاقتصاد العالمي.
واختتم شقير قائلاً إن السؤال لم يعد يقتصر على معرفة أكبر منتج للسيارات في أفريقيا، بل أصبح يدور حول الدول التي ستنجح في استثمار هذا التحول الصناعي، وكيف ستتكيف بقية اقتصادات القارة مع الواقع الجديد الذي ستحدده المصانع والاستراتيجيات الاستثمارية خلال السنوات المقبلة.


























