سامر شقير: ختام كأس العالم 2026 أعاد تشكيل تدفقات رأس المال نحو الرياضة كفئة استثمارية مؤسسية
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن ختام بطولة كأس العالم 2026، التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك على مدار 39 يومًا وشهدت إقامة 104 مباريات، لم يمثل نهاية لأكبر حدث رياضي في التاريخ الحديث فحسب، بل أكَّد تحول الرياضة العالمية إلى فئة أصول استثمارية قادرة على جذب رأس المال المؤسسي طويل الأجل.
وأوضح شقير، أن البطولة، التي أقيمت لأول مرة بمشاركة 48 منتخبًا، حققت إيرادات قياسية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، واستقطبت أكثر من 6.8 مليون متفرج، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسواق الإعلام والرعاية والسياحة والبنية التحتية، إلى جانب تأثيره في استراتيجيات التنويع الاقتصادي، خصوصًا في اقتصادات الخليج.
وأضاف شقير، أن هذه التطورات جاءت في وقت تبحث فيه المؤسسات الاستثمارية العالمية عن مصادر عائد أقل ارتباطًا بدورات أسعار الفائدة والأسهم التقليدية، مشيرًا إلى أن البطولة أثبتت قدرة الأحداث الرياضية الكبرى على توليد تدفقات نقدية متنوعة تشمل حقوق البث والتذاكر والرعاية والتجارب الرقمية، وهو ما يجعلها أقرب إلى أصول البنية التحتية الترفيهية منها إلى مجرد بطولات موسمية.
الأثر الاقتصادي على الأسواق المضيفة
قال سامر شقير: إن كأس العالم 2026 سجل إيرادات لفيفا تراوحت بين 8.9 و13 مليار دولار على مستوى الدورة، مدفوعة بارتفاع مبيعات التذاكر التي تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، إلى جانب حقوق البث التي اقتربت من أربعة مليارات دولار، فضلًا عن عقود الرعاية التي سجلت مستويات قياسية.
وأوضح شقير، أن الأثر الاقتصادي المباشر على الدول المضيفة جاء متفاوتًا، حيث قدرت وزارة السياحة المكسيكية الأثر السياحي المباشر بنحو 2.4 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي الأثر الاقتصادي نحو 3.7 مليار دولار، مع توفير أكثر من 130 ألف وظيفة مؤقتة.
وأضاف شقير، أن الولايات المتحدة سجلت إنفاقًا استهلاكيًّا يقدَّر بنحو 20 مليار دولار في المدن المضيفة، وفقًا لتحليلات مصرفية، إلا أن الأثر الكلي على الناتج المحلي الإجمالي ظل محدودًا عند نحو 0.1 نقطة مئوية على أساس ربعي.
وأشار شقير، إلى أن هذا التفاوت يعكس طبيعة البطولات الرياضية الكبرى باعتبارها صدمة طلب قصيرة الأجل تتركز آثارها في قطاعات السياحة والضيافة والنقل والخدمات، دون أن تحدث تحولًا هيكليًّا في النمو الاقتصادي.
وأكد شقير، أن منصات الإقامة قصيرة الأجل سجلت إيرادات تجاوزت 1.3 مليار دولار في المدن المستضيفة، بينما ارتفعت المعاملات العابرة للحدود عبر شبكات الدفع بنحو 20%، وهو ما اعتبره دليلًا على أن القيمة الاقتصادية الحقيقية تكمن في إعادة تسعير الأصول المرتبطة بالتجارب الحية والمحتوى الرقمي، أكثر من تأثيرها المباشر على الناتج المحلي الإجمالي.
الإعلام والرعاية يقودان موجة الاستثمار الرياضي
وأوضح سامر شقير، أن توسعة البطولة إلى 104 مباريات رفعت عدد المباريات بنحو 47% مقارنة بنسخة قطر 2022، الأمر الذي دفع حقوق الإعلام إلى مستويات قياسية، لكنه في المقابل خفض القيمة النسبية للمباراة الواحدة في بعض الأسواق الآسيوية والأوروبية نتيجة اختلاف المناطق الزمنية.
وأضاف شقير، أن الأسواق الأمريكية واللاتينية استفادت بصورة أكبر من توافق التوقيت، وهو ما عزز الشراكات بين شبكات البث التقليدية ومنصات البث الرقمي.
وأشار شقير، إلى أن أسواق الملكية الخاصة والمكاتب العائلية واصلت توجيه استثماراتها نحو الأندية الرياضية والمنصات الشبابية والبنية التحتية، لافتًا إلى أن صفقات الفرق الرياضية سجلت مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الإقبال على الاستثمارات الأقلية التي تمنح المستثمرين التعرض لإيرادات الإعلام والرعاية دون تحمل مخاطر الملكية الكاملة، قائلًا: إن المستثمرين المؤسسيين باتوا يفضلون الأصول التي تجمع بين تدفقات نقدية تعاقدية طويلة الأجل، مثل حقوق البث، وإيرادات متغيرة مرتبطة بالضيافة والتجارب الرقمية، وهو ما جعل الرياضة تتحول من أصل عاطفي إلى فئة أصول يمكن تقييمها وفق نماذج التدفقات النقدية المخصومة.
السعودية أمام فرصة استراتيجية قبل مونديال 2034
قال سامر شقير: إن انتهاء كأس العالم 2026 جاء في توقيت استراتيجي بالنسبة للمملكة العربية السعودية، التي تستعد لاستضافة كأس العالم 2034 كأول نسخة موسعة تضم 48 منتخبًا تستضيفها دولة واحدة.
وأوضح شقير، أن الرياضة أصبحت أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة، مع التوسع في الاستثمار بالبنية التحتية الرياضية استعدادًا لاستضافة إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم 2034.
وأضاف شقير، أن المملكة تعمل حاليًا على تطوير أو تجديد 15 ملعبًا في خمس مدن، إلى جانب إنشاء أكثر من 130 منشأة تدريبية، مع توجه عدد من المشاريع، مثل ملعب أرامكو في الخبر، إلى استقطاب استثمارات القطاع الخاص عبر هياكل تأجير طويلة الأجل تسهم في تعزيز السيولة الحكومية.
وأشار شقير، إلى أن هذه التحركات تتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز مساهمة قطاعات الترفيه والسياحة في الاقتصاد الوطني.
وأكد شقير، أن تجربة كأس العالم 2026 أثبتت أهمية التكامل بين الحدث الرياضي والقطاعات الداعمة له، مثل الضيافة والنقل والمحتوى الرقمي والتجارب الجماهيرية، مشيرًا إلى أن السعودية تمتلك فرصة استثنائية لبناء أصول رياضية قادرة على تحقيق عوائد مستدامة بعد انتهاء البطولة، شريطة تصميم الملاعب والمناطق المحيطة بها كمراكز متعددة الاستخدامات تجمع بين الترفيه والتجارة والعقارات، وليس كمنشآت موسمية.
مخاطر الاستثمار وفرص النمو
وأوضح سامر شقير، أن جاذبية الاستثمار في الأصول الرياضية لا تخلو من التحديات، إذ قد تؤدي التقييمات المرتفعة لبعض الأصول إلى تصحيحات سعرية في حال تباطؤ نمو حقوق الإعلام أو ارتفاع تكاليف الاستضافة.
وأضاف شقير، أن الاعتماد المفرط على التمويل الحكومي في بعض الأسواق المضيفة قد يخلق مخاطر مالية طويلة الأجل، لكنه أشار في المقابل إلى أن البطولة فتحت آفاقًا استثمارية جديدة في التكنولوجيا الرياضية، بما يشمل التحليلات الرقمية والبث التفاعلي، إضافة إلى الرياضات النسائية والشبابية والمنصات الرقمية الخاصة بالمشجعين.
وقال شقير: إن السنوات المقبلة قد تشهد استمرار تدفقات رأس المال المؤسسي نحو هذه القطاعات، خاصة مع سعي صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول إلى تنويع محافظهم الاستثمارية بعيدًا عن الأصول التقليدية.
وأضاف شقير، أن أسواق الخليج مرشحة أيضًا لزيادة صفقات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشاريع البنية التحتية الرياضية، بما يدعم تمويل مشاريع كأس العالم 2034 دون تحميل الموازنات العامة أعباء إضافية.
مستقبل الرياضة كفئة أصول استثمارية
توقع سامر شقير، أن تحافظ الرياضة على مكانتها كفئة أصول جاذبة للمستثمرين خلال السنوات المقبلة، مدعومة بعوائد مستقرة نسبيًّا ومقاومة للتضخم، إلى جانب النمو السكاني في الأسواق الناشئة وارتفاع الإنفاق العالمي على الترفيه.
وأوضح شقير، أن أبرز الدروس التي قدمتها بطولة كأس العالم 2026 للسعودية ودول الخليج تتمثل في أهمية تحويل الحدث الرياضي إلى مشروع تنموي طويل الأجل يخلق قيمة اقتصادية مستدامة بعد انتهاء المنافسات.
وأضاف شقير، أن المستثمر الذكي لن يركز فقط على تقييمات الأندية الرياضية الكبرى، وإنما سيتجه نحو المنصات التي تجمع بين المحتوى والبنية التحتية والتجربة الحية، مع الالتزام بمعايير الحوكمة والاستدامة المالية.
واختتم شقير قائلًا: إن إسدال الستار على كأس العالم 2026 يمثل بداية مرحلة جديدة في الاقتصاد الرياضي العالمي، حيث ستتجه الأنظار إلى قدرة الأسواق على تحويل الزخم التجاري الذي حققته البطولة إلى تدفقات رأسمالية مستدامة، مؤكدًا أن المستثمرين الذين يدركون هذه التحولات مبكرًا سيكونون الأكثر قدرة على اقتناص الفرص في قطاع الرياضة خلال العقد المقبل.


























