الأخبار

كيف قادت الرؤية طويلة الأجل أعظم الصفقات الاستثمارية في التاريخ؟ سامر شقير يُوضِّح

سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن التاريخ الاستثماري يكشف بوضوح أن أكبر الثروات لم تُبنَ نتيجة الجرأة وحدها، وإنما جاءت من القدرة على قراءة التحولات الاقتصادية والهيكلية قبل أن تتحول إلى قناعة عامة داخل الأسواق.
وأوضح شقير، أن استثمارات تاريخية مثل شراء Warren Buffett لحصة ضخمة في Apple، ورهان Masayoshi Son على Alibaba، واستثمار Naspers في Tencent، ومراهنة Charlie Munger على BYD، إلى جانب الصفقات الشهيرة لكل من George Soros وMichael Burry وJohn Templeton وPeter Lynch وBenjamin Graham، أثبتت جميعها أن المستثمرين الاستثنائيين لم يشتروا الأصول التي كانت تحظى بشعبية آنذاك، وإنما استثمروا فيما توقعوا أن يصبح المحرك الرئيسي للاقتصاد في المستقبل.
وأشار شقير، إلى أن هذه الدروس تكتسب أهمية استثنائية خلال عام 2026، في ظل التحول العالمي المتسارع لإعادة توزيع رؤوس الأموال نحو الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتصنيع المتقدم، والبنية التحتية، مع تزايد وزن جودة الإدارة وكفاءة تخصيص رأس المال مقارنة بالرهانات قصيرة الأجل.

قراءة الاتجاهات أهم من توقع الأخبار
قال سامر شقير: إن الأسواق المالية لا تمنح أكبر المكافآت لمَن يصل إلى الأخبار أولًا، وإنما لمَن ينجح في استيعاب آثارها الاقتصادية قبل الآخرين، مضيفًا أن كثيرًا من أشهر الصفقات الاستثمارية في التاريخ بدت عند تنفيذها قرارات محفوفة بالمخاطر أو بعيدة عن المنطق السائد، إلا أن مرور الوقت أثبت أن أصحابها لم يعتمدوا على التنبؤ بالمستقبل، بل على فهم القوى الاقتصادية التي كانت تقود ذلك المستقبل.
وأوضح شقير، أن المستثمر التقليدي ينشغل بالبحث عن أفضل سهم، بينما يركز المستثمر المؤسسي على التحول الاقتصادي القادر على إنتاج أفضل الشركات خلال السنوات المقبلة.

القيمة الحقيقية تتجاوز السعر الحالي
وأشار سامر شقير، إلى أن الأسواق تقوم بتسعير المعلومات المتاحة، بينما يعتمد المستثمر طويل الأجل على تقييم الإمكانات المستقبلية، وهو ما يجعل الفرص الكبرى تظهر عندما تتسع الفجوة بين القيمة الاقتصادية الحقيقية للأصل وسعره المتداول.
وأضاف شقير، أن هذه الفلسفة كانت الأساس الذي بنى عليه Benjamin Graham مدرسة الاستثمار القيمي الحديثة، قبل أن يطورها Warren Buffett وشريكه Charlie Munger بما يتلاءم مع اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا والملكية الفكرية، مؤكدًا أن مفهوم القيمة في العصر الحالي لم يعد يعني شراء الأصول الأرخص سعرًا، وإنما الاستثمار في الشركات القادرة على إعادة إنتاج الأرباح بمعدلات مرتفعة ولمدد زمنية طويلة.

Warren Buffett وApple... عندما أعاد الاستثمار القيمي تعريف نفسه
وأوضح سامر شقير، أن Warren Buffett ظل سنوات طويلة يتجنب الاستثمار في شركات التكنولوجيا بسبب صعوبة تقييمها وسرعة تغيرها، إلا أن قرار Berkshire Hathaway بالاستثمار في Apple خلال عام 2016 لم يكن مبنيًا على التكنولوجيا نفسها، وإنما على قوة العلامة التجارية، وارتفاع مستوى ولاء العملاء، والقدرة الاستثنائية للشركة على توليد تدفقات نقدية مستدامة.
وأضاف شقير، أن Apple أصبحت لاحقًا أكبر استثمار داخل محفظة Berkshire Hathaway، وأسهمت في تحقيق عوائد تجاوزت 1100% منذ بدء الاستثمار، بينما بلغت حصتها نحو 40% من إجمالي قيمة المحفظة خلال بعض الفترات.
ويرى شقير، أن هذه الصفقة أثبتت أن التصنيفات القطاعية قد تكون مضللة أحيانًا، لأن القيمة الحقيقية تكمن في نموذج الأعمال والعلاقة مع المستهلك أكثر من طبيعة القطاع نفسه.

Peter Lynch... الاستثمار يبدأ من الحياة اليومية
وقال سامر شقير: إن Peter Lynch اعتمد على مبدأ بسيط أصبح لاحقًا من أشهر قواعد الاستثمار، وهو متابعة الشركات التي يلاحظها المستهلك في حياته اليومية قبل أن تلتفت إليها الأسواق.
وأشار شقير، إلى أن استثماره في توسع Dunkin' Donuts لم يستند إلى نماذج مالية معقدة، بل إلى فهم مباشر لسلوك المستهلك وقابلية نموذج الأعمال للنمو، وهو ما ساعد صندوق Magellan على تحقيق أداء استثنائي خلال فترة إدارته، وأكد أن المعرفة الميدانية قد تتفوق أحيانًا على أكثر النماذج المالية تعقيدًا.

George Soros... الاقتصاد الكلي يصنع أكبر الفرص
وأشار سامر شقير، إلى أن George Soros راهن عام 1992 ضد الجنيه الإسترليني بعدما توصل إلى أن السياسة النقدية البريطانية لم تعد قادرة على الحفاظ على سعر الصرف داخل آلية سعر الصرف الأوروبية (ERM).
وأضاف شقير، أنه بعد خروج بريطانيا من النظام فيما عُرف بـ"الأربعاء الأسود"، حقق صندوقه أرباحًا قاربت مليار دولار خلال يوم واحد، موضحًا أن الصفقة لم تكن مجرد مضاربة على العملات، وإنما قراءة دقيقة للتناقض بين السياسات الاقتصادية والواقع المالي، مؤكدًا أن الأسواق قد تؤجل تصحيح الاختلالات، لكنها لا تستطيع إلغاءها، وهو ما يجعل فهم الاقتصاد الكلي عنصرًا رئيسيًّا في إدارة المحافظ الاستثمارية.

Michael Burry... التفاصيل تصنع الفارق
وقال سامر شقير: إن Michael Burry بدأ بين عامي 2004 و2005 تحليل ملفات الرهن العقاري الأمريكية قرضًا بقرض، حتى اكتشف أن السوق يعتمد على افتراضات غير قابلة للاستمرار.
وأضاف شقير، أنه استخدم أدوات مالية معقدة للمراهنة على انهيار سوق العقارات، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الكبرى تعتبر السندات العقارية من أكثر الأصول أمانًا، مشيرًا إلى أنه مع اندلاع أزمة 2008، تحولت هذه الرؤية إلى واحدة من أشهر الصفقات الاستثمارية، بعدما حقق صندوقه عوائد تجاوزت 700% لمستثمريه.
وأكد شقير، أن المستثمر الاستثنائي يتميز باستعداده لتحليل التفاصيل التي يتجاهلها معظم المشاركين في السوق.

John Templeton... الاستثمار عندما يسيطر الخوف
وأوضح سامر شقير، أن John Templeton اتخذ أحد أشهر قراراته الاستثمارية مع بداية الحرب العالمية الثانية، عندما اقترض أموالًا واستثمر في أكثر من مائة شركة أمريكية كانت تتداول بأسعار منخفضة للغاية، ووصل سعر بعض أسهمها إلى أقل من دولار واحد.
وأضاف شقير، أن Templeton لم يكن يعلم أي الشركات ستنجح، لكنه كان مقتنعًا بأن الأسواق بالغت في تسعير الخوف، وهو ما أسس لاحقًا لإحدى أهم مدارس الاستثمار طويل الأجل، وأثبت أن الأزمات تعيد تسعير الأسعار أكثر مما تعيد تسعير القيمة الحقيقية.

Naspers وTencent... الرهان على اقتصاد المستقبل
وأشار سامر شقير، إلى أن شركة Naspers استثمرت عام 2001 نحو 32 مليون دولار في Tencent عندما كانت لا تزال منصة صينية محلية صغيرة.
وأضاف شقير، أن الرهان الحقيقي لم يكن على تطبيق للمراسلة، وإنما على مستقبل الاقتصاد الرقمي الصيني، وهو ما انعكس لاحقًا مع توسع الشركة في الألعاب الإلكترونية والخدمات الرقمية والمدفوعات والحوسبة السحابية، لترتفع قيمة الاستثمار إلى أكثر من 100 مليار دولار في ذروة نموه، مؤكدًا أن أكبر الفرص الاستثمارية كثيرًا ما تأتي من فهم التحولات الهيكلية، وليس من الالتزام بالقطاعات التقليدية التي اعتاد المستثمرون العمل فيها.

Masayoshi Son وAlibaba... الاستثمار في المؤسس
وقال سامر شقير: إن Masayoshi Son ضخ نحو 20 مليون دولار في Alibaba عام 2000، رغم أن الشركة لم تكن تحقق أرباحًا ولم تكن قد أثبتت نجاح نموذجها التجاري.
وأوضح شقير، أن Son ركز على كفاءة Jack Ma وفريقه التنفيذي، ورأى فيهم القدرة على بناء شركة تقود التجارة الإلكترونية في الصين، وهو ما جعل الاستثمار يتحول لاحقًا إلى واحد من أكثر الاستثمارات ربحية في تاريخ قطاع التكنولوجيا، مضيفًا أن تقييم الإدارة قد يكون في الشركات الناشئة أكثر أهمية من قراءة القوائم المالية وحدها.

Charlie Munger وBYD... الاستثمار في دورة صناعية كاملة
وأشار سامر شقير، إلى أن Berkshire Hathaway، وبدعم من Charlie Munger، استثمرت عام 2008 نحو 230 مليون دولار في BYD مقابل حصة تقارب 10%.
وأوضح شقير، أن الشركة لم تكن آنذاك عملاقًا في السيارات الكهربائية، بل كانت معروفة أساسًا بصناعة البطاريات، لكن الرهان انصب على قدرة الإدارة على تحويل هذه الخبرة التقنية إلى صناعة متكاملة، مضيفًا أن الاستثمار ارتفعت قيمته بأكثر من عشرين ضعفًا مع تسارع التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية، قبل أن تبدأ Berkshire في تقليص حصتها تدريجيًّا، مؤكدًا أن المستثمر الناجح يراهن على دورة صناعية كاملة وليس على منتج منفرد.

Benjamin Graham وGEICO... عندما تبرر المعرفة التركيز
وقال سامر شقير: إن Benjamin Graham كان من أوائل المستثمرين الذين أدركوا أن بعض الفرص تستحق تركيزًا استثماريًّا مرتفعًا.
وأوضح شقير، أن استثماره في GEICO لم يكُن بسبب انخفاض سعر السهم فقط، وإنما لأنه رأى نموذج أعمال يتمتع بميزة تنافسية وهيكل تكلفة مختلف عن المنافسين، لتصبح الصفقة لاحقًا واحدة من أبرز نجاحاته الاستثمارية.
وأضاف شقير، أن هذه التجربة رسخت قاعدة مهمة مفادها أن التنويع يحمي المستثمر من الجهل، بينما قد تبرر المعرفة العميقة تركيزًا أكبر في بعض الفرص.

القاسم المشترك بين أعظم المستثمرين
أكد سامر شقير، أن جميع هذه الصفقات، رغم اختلاف الأزمنة والقطاعات، تشترك في مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها قراءة الاتجاهات الاقتصادية قبل الأسواق، والاستثمار في الإدارة إلى جانب الأصول، والتركيز على المزايا التنافسية طويلة الأجل، واستغلال فترات الذعر بدلًا من الهروب منها، والتمييز بين التقلبات المؤقتة والتحولات الهيكلية، وامتلاك أفق استثماري يمتد لسنوات، إضافة إلى الاستعداد لمخالفة إجماع السوق عندما تدعم البيانات ذلك.
وأشار شقير، إلى أن المستثمرين الذين صنعوا أكبر الثروات لم يكونوا الأفضل في التنبؤ بالمستقبل، بل كانوا الأكثر انضباطًا في تحليل البيانات، والأكثر صبرًا حتى تتحقق فرضياتهم الاستثمارية.

انعكاسات مباشرة على الاقتصاد السعودي والخليجي
وأوضح سامر شقير، أن هذه الدروس تتزامن مع مرحلة تاريخية يعيشها الاقتصاد السعودي والخليجي، حيث تقود رؤية 2030 موجة واسعة من الاستثمارات في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية.
وأضاف شقير، أن القيمة المستقبلية بالنسبة للمستثمر المؤسسي قد لا تكون في القطاعات التي تحقق أعلى معدلات نمو حاليًا، وإنما في الشركات التي تنجح في بناء مزايا تنافسية مستدامة داخل المنظومة الاقتصادية الجديدة، مشيرًا إلى أن توسع صناديق الاستثمار السيادية، وارتفاع الإنفاق الرأسمالي، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، كلها عوامل تعزز أهمية التحليل طويل الأجل عند اتخاذ قرارات تخصيص رأس المال في المنطقة.

النظرة الاستراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن تسارع الابتكار، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة على رؤوس الأموال عالميًا، يجعل اكتشاف التحولات الهيكلية أكثر قيمة من محاولة توقع الحركة اليومية للأسواق.
وأضاف شقير، أن التاريخ الاستثماري قد لا يعيد نفسه حرفيًّا، لكنه يعيد إنتاج المبادئ ذاتها، موضحًا أن بناء الثروة المستدامة لا يتحقق عبر ملاحقة الضجيج اليومي، وإنما من خلال فهم الاتجاهات الكبرى، والانضباط في تخصيص رأس المال، والتحلي بالصبر حتى تتحول الرؤية الاستثمارية إلى واقع اقتصادي.

سامر شقير رائد الاستثمار سامر شقير التكنولوجيا المالية

الأخبار

آخر الأخبار