ترامب يحول هبوط الأسواق إلى فرص استثمارية.. سامر شقير يقرأ المشهد
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن أداء الأسواق الأميركية حتى يوليو 2026 أكد أن التقلبات الحادة الناتجة عن السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية لم تمنع المؤشرات الرئيسية من تحقيق مكاسب تجاوزت المسارات التاريخية المتوقعة عند بداية الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل ساهمت في إعادة تشكيل طريقة تقييم المستثمرين للمخاطر والفرص.
وأوضح شقير أن بيانات الأسواق أظهرت تجاوز مؤشر S&P 500 للمسار الضمني لثلاث سنوات بأكثر من 10%، فيما سجل مؤشر ناسداك أداءً أقوى نسبياً، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً من الهبوط الحاد يعقبه ارتداد قوي، أعاد صياغة منطق تخصيص رأس المال لدى المؤسسات الاستثمارية.
وأضاف أن هذه التطورات تؤكد أن التقلبات لم تعد تعني بالضرورة تدمير القيمة، بل أصبحت وسيلة لإعادة تسعير الأصول بصورة أكثر كفاءة عندما تُدار ضمن استراتيجية استثمارية طويلة الأجل تقوم على الانضباط في قرارات الدخول والخروج.
صدمات متتالية أعادت تسعير علاوة المخاطر
وأشار سامر شقير إلى أن الأسواق الأميركية تعرضت منذ ربيع 2025 لسلسلة من الصدمات، بدأت بإعلانات الرسوم الجمركية المتبادلة، ثم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وصولاً إلى التوتر مع إيران، إلا أن المؤشرات الرئيسية نجحت في تجاوز تلك الصدمات واستعادة مسارها الصاعد.
وأضاف شقير أن مؤشر S&P 500 تراجع بنحو 6% خلال موجة الضغوط المرتبطة بإعلانات الرسوم الجمركية في أبريل 2025، قبل أن يعوض خسائره سريعاً عقب تعليق جزء من تلك الرسوم، فيما دفعت التوترات المرتبطة بإيران المؤشرات إلى انخفاض اقترب من 8% عند القاع، قبل أن ترتفع من تلك المستويات بنحو 20% لمؤشر S&P 500 وحوالي 30% لمؤشر ناسداك.
وأكد أن المؤشرات الثلاثة الرئيسية كانت، بحلول يوليو 2026، قد تجاوزت ليس فقط مستويات ما قبل الصدمات، وإنما أيضاً المسارات الضمنية المستندة إلى معدلات النمو المركبة لثلاث وخمس سنوات السابقة على التنصيب.
«التقلب المنتج» يخلق فرصاً لبناء المراكز
وقال سامر شقير إن هذا السلوك يعكس نمطاً استثمارياً كلاسيكياً يقوم على البيع المكثف عند تصاعد المخاوف، يعقبه شراء قوي بمجرد إدراك المستثمرين أن السيناريوهات الأسوأ لم تتحقق.
وأوضح شقير أن هذه الديناميكية تعيد تعريف مفهوم «التقلب المنتج»، حيث يتحول الانخفاض الحاد إلى فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية عند تقييمات أكثر جاذبية، شرط أن يكون المستثمر ملتزماً بأفق استثماري يمتد لسنوات وليس لأسابيع.
المؤسسات التي تجاهلت الضوضاء السياسية حققت أفضل النتائج
وأشار سامر شقير إلى أن بيانات الفترة الممتدة بين يناير 2025 ويوليو 2026 أظهرت أن الاحتفاظ بالتعرض للأسهم الأميركية خلال فترات الضغط وفر عوائد تراكمية تفوقت على المسارات الأساسية للأسواق.
وأضاف شقير أن نحو 58% من الأسر الأميركية تمتلك استثمارات مباشرة أو غير مباشرة في الأسهم، في حين تتجاوز أصول خطط التقاعد القائمة على المساهمة المحددة 13 تريليون دولار، ما يجعل تأثير تعافي الأسواق يمتد إلى شريحة واسعة من المدخرين.
وأكد أن المؤسسات الاستثمارية الأكثر نجاحاً كانت تلك التي فصلت بين الضوضاء السياسية والأساسيات المالية للشركات، موضحاً أن الشركات الأميركية الكبرى، خصوصاً في قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، واصلت تحقيق نمو في الأرباح تجاوز التوقعات الأولية لعام 2026، وهو ما دعم موجات التعافي، بينما خسرت الصناديق التي بالغت في التحوط أو خرجت بالكامل من الأسواق جزءاً كبيراً من الارتفاعات اللاحقة.
انعكاسات على التضخم وأسعار الفائدة
وقال سامر شقير إن الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية رفعت مستوى عدم اليقين بشأن مسارات التضخم وأسعار الفائدة، إذ حملت القيود التجارية ضغوطاً تضخمية محتملة عبر سلاسل الإمداد، بينما انعكس التصعيد في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة.
وأضاف شقير أن الأسواق أظهرت حتى الآن قدرة على استيعاب هذه الضغوط دون تحولها إلى دورة انكماشية مستدامة، متوقعاً أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي اتباع نهج حذر في مراقبة تطورات التضخم ونمو الأرباح.
وأوضح أن هذه البيئة تفرض على مستثمري أدوات الدخل الثابت اعتماد قدر أكبر من المرونة في إدارة آجال المحافظ، مع تفضيل الأدوات ذات الجودة الائتمانية المرتفعة، في حين قد تشهد الأسهم المرتبطة بالتجارة العالمية وقطاع الطاقة تذبذباً أكبر مقارنة ببقية القطاعات.
فرص جديدة للمستثمرين المؤسسيين
وأكد سامر شقير أن أبرز دروس المرحلة الممتدة من يناير 2025 حتى يوليو 2026 تمثل في أن التقلبات السياسية قد تتحول إلى مصدر لخلق القيمة عندما تتم مقارنتها بالتقييمات الأساسية للشركات.
وأضاف شقير أن الاستراتيجية الأنسب للمؤسسات الاستثمارية تتمثل في بناء محافظ قادرة على استيعاب الصدمات قصيرة الأجل مع الحفاظ على تعرض هيكلي للنمو الأميركي، مدعوماً بقدرة الشركات على تحقيق تدفقات نقدية حرة، وهو ما يتطلب انضباطاً في أحجام المراكز الاستثمارية والابتعاد عن الإفراط في استخدام الرافعة المالية خلال فترات الاستقرار الظاهري.
وأشار إلى أن شركات الأسهم الخاصة ورأس المال المغامر قد تجد فرصاً لإعادة التفاوض على تقييمات الشركات، خاصة في القطاعات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، بينما تستفيد البنوك والمؤسسات المالية من ارتفاع أحجام التداول وزيادة الطلب على أدوات التحوط.
نظرة استراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن السؤال الرئيسي خلال الـ12 إلى 36 شهراً المقبلة يتمثل في قدرة الأسواق على مواصلة نمط «المقلاع» الذي يحول الهبوط الحاد إلى موجات صعود قوية، أو ما إذا كانت صدمة أكبر قد تغير هذه المعادلة.
وأوضح شقير أن البيانات الحالية تشير إلى استمرار قدرة الأسواق الأميركية على تحويل التقلبات إلى مكاسب تراكمية للمستثمرين الذين يحتفظون برؤية طويلة الأجل تتجاوز تأثير الدورة الإخبارية اليومية.
وأضاف أن رأس المال الذكي لا يبحث عن غياب المخاطر، بل عن تسعيرها بصورة عادلة، مؤكداً أن بيئة الاستثمار في عام 2026 ما زالت توفر فرصاً مهمة للمستثمرين القادرين على التحلي بالصبر والانضباط والانتقاء الدقيق للأصول.


























